أنتم هنا : الطريقة القادرية البودشيشية الإشارة عدد 26 ...

  • الاستهلال
  • في الحوارالعالي السؤال السلفي الصوفي
  • في هذا العدد
  • العلماء بالله والعلماء بأحكام الله عند ابن رشد الجد
  • الحرية بين مطالب الفلاسفة ومقاصد الصوفية





  • الاستهلال

    أيها المترقب العزيز

    لاشك أن انتظارك ''الإشارة'' قد طال، وأن انزعاجك أضحى قلقا وشى به السؤال بعد السؤال؛ وقد كنا ونحن في وقفة تأمل ومراجعة وتقويم، حائرين بين عواقب التأخر ومزالق الاستعجال؛ لكن ما يشفع لنا أننا أحرص ما نكون على نيل مرضاتك، وذلك بزف الإشارة إليك في أبهى حلة وأحسن حال؛ باذلين أقصى الطاقات وأثمن الأوقات - على الرغم من قلة الإمكانات - حتى تكون الإشارة أحسن جليس وأفيد أنيس، في وحشة هذا الزمن البئيس، الذي ظمئت فيه الأرواح وجفت القلوب، ولم تجد غير تصحر القيم وترقّص السراب، لا يُسمع فيه ولا يرى غير المنازعات والمضاربات والمهاترات في أكثر المذاع والمكتوب·

    لم يبق أحد جاهلا بما جرى ويجري لإنسان هذه اللحظات المتسارعة، ووسائلُ الإعلام والاتصال قد زجت بكل العالمين ''في الصورة''، صورة تتعاقب عليها الألوان، لكنها لا تظهر غير بؤس الإنسان وتدني أخلاقه وقيمه، لقد عولمت الصورة صورة الإنسان فحلت المرايا محل الأذهان، وفعّلت الواقع فينا فساهمنا جميعا في تأثيث الصورة، لم نعد في حاجة إلى حديث وقد حل الصدى محل الكلام، أمسينا لا نتعامل بغير الأرقام ولا نتفاهم بغير الخصام، وكل منا يحدس ما يبطن صاحبه من آثام، لأنه لا يبطن غير الآثام·

    يحمل الصدى كلاما كثيرا عن التخليق إلى كل مكان، وعن توحيد البلدان والأديان، وعن تعبيد الشعوب وتوليد النبات والأبدان،· وعن ما يمكن وما ليس في الإمكان.· لكن الغافل المغفل هو المصدق بأن الإنسان يمكن أن يصبح غير الإنسان، مستغنيا عن عناية البارئ المصور المنان·

    لعل في تجارب العالمين ما يكفي من ألقى السمع وهو شهيد، ليتلقى ويقرأ ويفهم ما في ذلك من آيات·

    رسالتنا أيها العزيز القارئ، أن نقرب صورة، أو نستبدل بالصورة صورة، نحاول أن تكون الصورة أقرب إلى الأصل، تذكرنا بالحقيقة الغائبة أو المغيبة التي محتها صور أخرى كثيرة من ذاكرتنا القلبية. ولما كانت الذكرى تنفع، فبألوان صورتنا البديل نعتقد أننا نساهم في النفع العام والخاص كذلك بعون الله تعالى·

    إن ما يحتويه عددنا الجديد هذا إنما يحوم حول الذكرى النافعة بمختلف صورها وألوانها، وهي معنى أو معاني نحن جميعا مسؤولون عن إحيائها فينا كليا لأنها الأصل والحقيقة والهوية، وإلا كنا لأنفسنا ناسين خائنين·

    ولعل في ذكرى الهجرة النبوية التي نستفتح بها "إشارتنا" أعظم معنى علينا أن نديم تفعيله في نفوسنا وفي حياتنا الخاصة والعامة لنهاجر أصنام شركنا ونباعد أوهام شراكنا وننطلق نحو الأنصار النور الهازم لظلمنا وظلماتنا·

    إخواننا، هذه بعض إشارات إلى معنى إشارتنا نضعها بين أيديكم، لا زاد لنا ولا معين غير المعين سبحانه وحسن ظنكم وتشجيعكم العلمي والمعنوي المعهود، وبالله التوفيق.

    محمد المصطفى عزام