أنتم هنا : الطريقة القادرية البودشيشية الإشارة عدد 26 ...

  • الاستهلال
  • في الحوارالعالي السؤال السلفي الصوفي
  • في هذا العدد
  • العلماء بالله والعلماء بأحكام الله عند ابن رشد الجد
  • الحرية بين مطالب الفلاسفة ومقاصد الصوفية





  • في الحوارالعالي السؤال السلفي الصوفي

    يتناول هذا الحوار جملة م ن القضايا لاستكناه رأي العلماء والمفكرين المسلمين في التصوف، دون اعتبار لحدود الزمان والمكان، لا يلتزم إلا بالبحث عن الحكمة أنى كانت، دون النظر إلى قائلها، لذلك ينتقل بين الآراء المبثوثة في ثنايا الفكر الإسلامي ساعيا للكشف عن الرؤية السليمة للتصوف ومنهجه .

    التربية الصوفية:

    سؤال: هل يمكن بيان أساس النهج الصوفي في تربية الأجيال!

    جواب: '' تأثيرات النفوس بعضها في بعض أمر لا ينكره حس سليم ولا عقل مستقيم، فإن قواها تتضاعف وتتزايد بحسب ذلك، وسيما عند تجردها نوع تجرد عن العلائق والعوائق البدنية، فإن قواها تتضاعف وتتزايد بحسب ذلك وسيما عند مخالفة هواها وحملها على الأخلاق رذائلها وسافلها''.

    ''والمقصود أن درجة الصديقية والربانية ووراثة النبوة وخلافة الرسالة هي أفضل درجات الأمة، ولو لم يكن من فضلها وشرفها إلا أن كل عمل بتعليمهم وإرشادهم، أو علم غيره شيئا من ذلك كان له مثل أجره ما دام ذلك جاريا في الأمة على آباد الدهور، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلي بن أبي طالب : ''والله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم''، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ''من سن سنة حسنة فعمل بها بعده كان له مثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئا'''' -ابن القيم-

    سؤال: ولكن ألا يكفينا في مجال التربية الروحية الإصلاحية الاقتصار على النظر في النصوص الشرعية، دون الالتجاء إلى اتباع شيخ مربي؟

    جواب: إن الرجوع إلى النصوص الشرعية واجب على كل مسلم، خصوصا فيما يتعلق بمقام الإسلام والإيمان، ولكن عندما يتعلق الأمر بمقام الإحسان فإننا نحتاج إلى منهج سلوكي وتربوي لا يكفي فيه إعمال الفكر في النصوص الشرعية، وإن كان لا شيء من أمر المكلف يخرج عن هذه النصوص، ولكن الفكر وحده لا يستطيع الوصول إلى ما يتعلق بالتربية الروحية، فأمرها يتعلق بتحقيق مناط خاص، ''وصاحب هذا التحقيق الخاص هو الذي رزق نورا يعرف به النفوس ومراميها، وتفاوت إدراكها، وقوة تحملها للتكاليف وصبرها على أعبائها أو ضعفها، ويعرف التفاتها إلى الحظوظ العاجلة أو عدم التفاتها'' -الشاطبي-

    سؤال: ولماذا لا نعتمد المنهج المتبع في العلوم الكسبية دون الالتجاء إلى الكتب المؤلفة في التصوف والأخذ عنها؟

    جواب: إن الكتب المشار إليها محشوة بالحكايات عن أرباب الأحوال الذين ملكتهم الأحوال، وأرباب الأحوال الذين ملكوا أحوالهم، وأكثر ما تحتوي الكتب على القسم الأول، والمملوكون للأحوال لا يقتدى بهم ما داموا كذلك، ومن اقتدى بهم خرج عن الطريقة المثلى وخيف عليه الانقطاع، وهو الغالب فيمن اتبعهم، إذ هناك صار الناس حين اتبعوهم فرقا، فمنهم من اختل جسمه حتى تلف أو كاد، ومنهم من تلف عقله أو كاد، ومن من شاذ الدين بما لم يأذن الله فغلبه ومنهم من يأس من روح الله في السلوك أو كاد ومنهم من كان على طريقة خير من علم أو عمل فانقطع عنه لعارض رياء أو عجبا أو حب دنيا أو جاه ولم يتحقق

    ومنهم من أساء ظنه بالطريقة وأهلها وكذب بها، إلى غير ذلك من الأمور العارضة التي لايزيلها النقل عن كتب التصوف بل يثيرها، وهذه الأمور لا يدرك كنهها إلا أربابها ولم نر فيمن تقدم أو تأخر من ثبت تحت إبالة شيخ سني محقق اتفق له شيء من هذا -ابن خلدون-

    سؤال: هل يمكن توضيح الأمر أكثر؟

    جواب: ''إن الطرق إلى الله تعالى بعدد أنفاس الخلائق أجمعين وإن كان واحدا في نفسه، فكل سالك يليق به من التربية ما لا يليق بغيره، والأحوال والمواجد والواردات والمواهب والعلوم واللقاءات، والعوارض في السلوك تختلف بحسب الأشخاص والأحوال، والبداية والنهاية، والقوة والضعف، وسبيل سلوكهم غير متفق، فقد يكون الرجلان على وزن واحد في العلم والعمل، وترتيب الرياضة، ويعرض لهما عارضان مختلفان، فيحتاجان إلى دواء مختلف، إن جعل واحدا لم يصلح، أو متحدان، إن جعل مختلفا لم يصلح، ويعرض لهما عارضا مختلفا، فيحتاجان إلى دواء مختلف، إن جعل واحدا لم يصلح، أو متحدان، إن جعل مختلفا لم يصلح، ويعرض لهما العارض المتحد، فيصلح لأحدهما من العلاج ما لا يصلح لآخر، وترد على كل واحد منهما الأحوال والمواجد والإلقاءات متفقة ومختلفة، فيفرق الشيخ بين مؤتلفها، ويجمع بين مختلفها بحسب ما أراه الله، هذا فيما يعرض له في التخلق والتحقق معا، التحقق بالتوحيد أشد وأحرى و لا يكتسب الدخول فيه من كتاب، بل تحت شيخ خاض بحر التوحيد ثم وقف على ساحله يدعو إليه، وشأن هذا السلوك أعظم والتحرز فيه أتم، والعوارض الطارئة على سالكه أقوى وأدهى وسائر ما يذكر من الفرق في هذا النمط، إنما أصل هلاكهم السلوك في هذا الطريق من غير شيخ محقق عارف، أو الخروج عن نظره فيه فالاحتياج فيه إليه كاحتياج الجسد إلى الغذاء، ابن خلدون

    سؤال: إذن كيف يمكننا أن نميز بين دورشيخ التربية ودور شيخ الفتوى العلمية؟

    جواب: إن شيوخ الطريقة شيوخ تربية وارتياض ودلالة على أحوال معاينة، خارجة عن الاختيار، ليست من قبيل المحسوسات ولا العلوم المتعارفة، وشيوخ الفتيا وحملة الشريعة شيوخ نقل وإبانة إخبار عن كيفية عمل داخل تحت القدرة (واللازم على المكلف بالنسبة للفريقين اعتقادا) '' وجوب الحق لهم وتعظيمهم واتباع هديهم'' ابن خلدون.

    جواب: ''أما القول بأنها ''شريعة ثانية فتشنيع من القول إنها طريقة خاصة مغايرة لطريقة الشرع العامة، عثر عليها الصديقون واقتفوها حرصا على الدرجات العلى، وعلموا بعد ذوق معانيها ووجدان مداركها كيف تتعلق بها الأحكام الخمسة، وألقوا فهم ذلك لمن خاض لججهم، وعبر بحار ذوقهم فهي مندرجة تحت الأحكام الخمسة اندراج الخاص تحت العام، لكن لتعذر العبارة عن متعلق الأحكام الخمسة، وعدم عموم البلوى، خفي ذلك إلا على أهله المختصين بتعارفها، ومعرفة حكم الله فيها ابن خلدون.

    سؤال: فكيف نميز على مستوى الأهداف بين الفقهاء في التعامل مع المكلف ومنهج الصوفية؟

    جواب: '' إنما عني الفقهاء بتحرير الحدود والأحكام الجزئية التي هي مظان التنازع والمشاحة، والأخذ بالحظوظ الخاصة، والعمل بمقتضى الطوارئ العارضة، وكأنهم واقفون للناس في اجتهادهم على خط الفصل بين ما أحل الله وما حرم، حتى لا يتجاوزوا ما أحل إلى ما حرم الله فهم يحققون للناس مناط هذه الأحكام بحسب الوقائع الخاصة حين صار التشاح ربما أدى إلى مقاربة الحد الفاصل، فهم يزعونهم عن مداخلة الحمى، وإذا زل أحدهم يبين له الطريق الموصل إلى الخروج عن ذلك في كل جزئية آخذين بحجزهم، تارة بالشدة، وتارة باللين

    فهذا النمط هو كان مجال الفقهاء، وإياه تحروا، وأما ما سوى ذلك مما هو من مكارم الأخلاق فعلا وتركا فلم يفصلوا القول فيه، لأنه غير محتاج إلى تفصيل، بل الإنسان في أكثر الأمر يستقل بإدراك العمل فيه فوكلوه إلى اختيار المكلف واجتهاده، إذ كيف ما فعل فهو جار على موافقة أمر الشارع ونهيه، وقد تشتبه فيه أمور، ولكن بحسب قربها من الحد الفاصل، فتكلم الفقهاء عليها من تلك الجهة، فهو من القسم الأول، فعلى هذا كل من كان بعده من ذلك الحد أكثر كان أعراقه في مقتصى الأصول الكلية أكثر، وإذا نظرت إلى أوصافه صلى الله عليه وسلم تبين لك الفرق ما بين القسمين، وبون ما بين المنزلتين، وكذلك ما يؤثر من شيم الصحابة واتصافهم بمقتضى تلك الأصول

    وعلى هذا القسم عول من شهر من أهل التصوف، وبذلك سادوا غيرهم ممن لم يبلغ مبالغهم في الاتصاف بأوصاف الرسول وأصحابه، وأما غيرهم ممن حاز من الدنيا نصيبا فافتقر إلى النظر في هذه الجزئيات والوقائع الدائرة بين الناس في المعاملات والمناكحات فأجروها بالأصول الأولى على حساب ما استطاعوا، وأجروها بالفروع الثواني حين اضطروا إلى ذلك، فعاملوا ربهم في الجميع، ولا يقدر على هذا إلا الموفق الفذ، وهو كان شأن معاملات الصحابة كما نص عليه أصحاب السير - الشاطبي-

    سؤال: ولكن ألا ترون أن في منهج الصوفية مجانبة لليسر وتضييقا على المكلف؟

    جواب: '' لم تزل الأصول يندرس العمل بمقتضاها لكثرة الاشتغال بالدنيا والتفريع فيها حتى صارت كالنسي المنسي، وصار طالب العمل بها كالغريب المقصي عن أهله، وهو داخل تحت معنى قوله عليه الصلاة السلام: ''بدأ هذا الدين غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء''

    ومن ها هنا يفهم شأن المنقطعين إلى الله فيما امتازوا به من حلتهم المعروفة، فإن الذي يظهر لبادئ الرأي منهم أنهم التزموا أمورا لا توجد عند العامة، ولا هي مما يلزمهم شرعا، فيظن الظان أنهم شددوا على أنفسهم، وتكلفوا ما لم يكلفوا، ودخلوا على غير مدخل أهل الشريعة، وحاشا الله ما كانوا ليفعلوا ذلك، وقد بنوا نحلتهم على اتباع السنة، وهم باتفاق أهل السنة صفوة الله من الخليقة، لكن إذا فهمت حالة المسلمين في التكليف أول الإسلام، ونصوص التنزيل المكي الذي لم ينسخ، وتنزيل أعمالهم عليه تبين لك أن تلك الطريق سلك هؤلاء وباتباعها عنوا على وجه لا يضاد المدني المفسر، فإذا سمعت مثلا أن بعضهم سئل عما يجب من الزكاة في مائتي درهم، فقال أما على مذهبنا فالكل لله، وأما على مذهبكم فخمسة دراهم، وماأشبه ذلك، علمت أن هذا يستمد مما تقدم، فإن التنزيل المكي أمر فيه بمطلق إنفاق المال في طاعة الله ولم يبين فيه الواجب من غيره، بل وكل إلى اجتهاد المنفق ،لا شك أن منه ما هو واجب، ومنه ما ليس بواجب، والاحتياط في مثل هذا مبالغة في الإنفاق في سد الخلات وضروب الحاجات، إلى غاية تسكن إليها نفس المنفق، فأخذ هذا المسؤول في خاصة نفسه بما أفتى به، والتزمه مذهبا في تعبده، وفاء بحق الخدمة وشكر النعمة، وإسقاطا لحظوظ نفسه، وقياما على قدم العبودية المحضة، حتى لم يبق لنفسه حظا، وإن أثبته له الشارع اعتمادا على أن لله خزائن السماوات والأرض، وأنه قال: ''لا نسألك رزقا نحن نرزقك''، وقال: ''ما أريد أن يطمعون'' وقال: ''وفي السماء رزقكم وما توعدون''، ونحو ذلك، فهذا نوع من التعبد لمن قدر على الوفاء به

    ومثله لا يقال في ملتزمه'' إنه خارج عن الطريقة، ولا متكلف في التعبد، لكن لما كان هذا الميدان لا يسرح فيه كل الناس قيد في التنزيل المدني حين فرضت الزكوات فصارت هي واجبة انحتاما، لا تتعدى إلى ما دونها، ويبقي ما سواها على حكم الخيرة، فاتسع على المكلف مجال الإبقاء جوازا، والإنفاق ندبا، فمن مقل في إنفاقه ومن ومكثر، والجميع محمودون، لأنهم لم يتعدوا حدود الله

    ومنهم من لاينتهي في الإنفاق إلى إنفاذ الجميع، بل يبقي بيده منه شيء، متحملا منه أمانة لا ينفك عنها إلا بنفاذه أو كالوكيل فيه لخلق الله، سواء عليه أمد نفسه منه أم لا، وهذا كان غالب أحوال الصحابة، ولم يمن إمساكهم مضادا لاعتمادهم على مسبب الأسباب سبحانه وتعالى وأما من أبقى لنفسه حظا فلا حرج عليه، وقد أثبت له حظه من التوسع في المباهات على شرط عدم الإخلال بالواجبات -''الشاطبي-''

    سؤال: هل يمكن أن نستند بالنسبة لمنهج الصوفية إلى شرعية تاريخية، فنقول بوجود هذا المنهج السلوكي التربوي في عهد الصحابة والسلف؟

    جواب: إن الصحابة رضوان الله عليهم لما شرح الله صدورهم للإسلام، وقبلوا من الهداية ما كانوا فيه على بينة من ربهم، صرفوا الاهتمام إلى أعمال الباطن فكانوا يراعون أنفساهم، ويراقبون خطراتهم، ويحذرون غوائل قلوبهم، وفي هذا كانت أكثر مفاوضاتهم وفزع بعضهم إلى بعض واعتبر ذلك في سؤال عمر بن الخطاب حذيفة رضي الله عنهما، وقد ذكر حذيفة المنافقين وأشار إلى ما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأنهم، فقال له عمر ناشدتك الله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سماني فيهم قال: لا ولست أبرئ بعدك أحدا، فانظر إلى حذر عمر رضي الله عنه من هذا النفاق إذ لو كان مراد عمر وحذيفة بهذا النفاق مدلوله المشهور: هو إظهار الإسلام وإضمار الكفر كما كان في منافقي المدينة وغيرهم لما حذر عمر من ذلك وفزع فيه إلى علم حذيفة، إذ هو يعلم من نفسه أنه مبرأ منه وكيف يخفى هذا على عمر، وكل واحد يعلم من نفسه ما أكن وما أبدى، فالذي حذره عمر صنف آخر من النفاق وهو ما يكون في أعمال الباطن من خفايا المهلكات، تقع فلتة ولا يعلمها الإنسان من نفسه، ويعلمها النبي باطلاعه على القلوب ومعاينته لأعمالها وأسرارها وبما خصهم الله به من ذلك، وساغ إطلاق النفاق على هذا الصنف من الأعمال لما فيه من مخالفة مضمر الباطن لظاهر الدعوى ثم لما درج الصحابة رضوان الله عليهم وجاء العصر التالي لعصرهم، تلقى أهله هدي الصحابة مباشرة وتلقينا وتعليما، وقيل لهم التابعون، ثم اختلف الناس وتباينت المراتب وفشا الميل عن الجادة والخروج عن الاستقامة، ونسي الناس أعمال القلوب وأغفلوها، وأقبل الجم الغفير على صلاح الأعمال البدنية والعناية بالمراسم الدينية من غير التفات إلى الباطن ولا اهتمام بصلاحه، وشغل الفقهاء بما تعم به البلوى من أحكام المعاملات والعبادات الظاهرة، حسبما طالبهم بذلك منصب الفتيا وهداية الجمهور، فاختص أرباب القلوب باسم الزهاد والعباد، وطلاب الآخرة منقطعين إلى الله، قابضين على دينهم كالقابض على الجمر حسبما ورد، ثم طرقت آفة البدع في المعتقدات فهذا معتزلي أو رافضي أو خارجي، لا تنفعه أعماله الظاهرة ولا الباطنة مع فساد المعتقد الذي هو رأس الأمر، فانفرد خواص السنة المحافظون على أعمال القلوب، المقتدرون بالسلف الصالح في أعمالهم الباطنة والظاهرة، وسموا بالصوفية -ابن خلدون-

    د أحمد غاني

    أستاذ باحث في علم أصول الفقه