أنتم هنا : الطريقة القادرية البودشيشية الإشارة عدد 26 ...

  • الاستهلال
  • في الحوارالعالي السؤال السلفي الصوفي
  • في هذا العدد
  • العلماء بالله والعلماء بأحكام الله عند ابن رشد الجد
  • الحرية بين مطالب الفلاسفة ومقاصد الصوفية





  • الحرية بين مطالب الفلاسفة ومقاصد الصوفية

    تبين هذه الدراسة فهم الصوفية للحرية

    وتمثلهم لها في ارتباطها الوثيق بالجانب الروحي والأخلاقي للإنسان.

    قيمة الحرية

    يعتبر وجود الإنسان وماهيته من أعقد الإشكالات التي واجهت الفلاسفة والحكماء، لِما يكتنفها من أسرار ويحفّها من غموض، لذلك تفرقوا طرائق قددا في شأن هذا المخلوق العجيب، وتضاربت أقوالهم ومذاهبهم وتباينت مفاهيمهم حوله، ولم تكن نظرياتهم بشأنه إلا نسبية تقف في معزل عن الحقيقة المطلقة· فالإنسان بئر مظلمة، أغوارها متشعبة، وداخلها معقد، وجحورها مشحونة بالأسرار وطافحة بالغموض·

    تلك الأغوار المتشعبة والجحور الغامضة في نفس الأمر نسق من الإحساسات النفسية والشعورية تنبني عليها إحساسات واضحة لا غبار عليها، ويتصدر هذه الإحساسات الجلية الإحساس بالحاجة الملحة إلى الحرية لإثبات الذات وإدراك التطلعات· فالحرية والوجود متداخلان منذ أن خلق الله الخلق ويسّر له سبل الانطلاق في مناكب هذا الكون، أي أن الحرية منحة إلهية وأيضا كسْب إنساني، وقد كان رأي بعض الفلاسفة صائبا حين ربط حرية الإنسان بوجوده ونفى أي فارق بينهما، ورأى أن الإنسان يكون ناقصا ما دامت حريته ناقصة·

    وهذه الحرية إن وجدت التربة الخصبة التي تتجذر فيها والظروف والملابسات التي تتعهدها بالرعاية نمت وسمقت وأينعت ثمارها في النفوس والعقول، ليسود الإبداع، وتتحرك دوافع الإنتاج، وتتفجر الطاقات للحركة والبناء، واختراق الآفاق وتحدي الطبيعة، ولذلك عرف الفيلسوف برغسون الحرية بإنها: ''حالة شعورية وديمومة خلاّقة باستمرار، نكتشفها مباشرة في حياتنا الداخلية ولا يمكن التعبير عنها بلغة''·

    ولا ينكر منكر أن الشخصية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالحرية، إذ بسيادة أجواء الحرية تصقل الشخصية وتبلور، وتغدو قادرة على الوعي بالواقع، وناضجة في مواجهتها لحركة الحياة، وهذا بناء على ما ذكرنا من تلازم الحرية والوجود، هذا من جهة، ومن جهة أخرى بناء على ارتباطها بمسألة التكليف الذي يترتب عليه الثواب والعقاب· ولا جرم أن ربطها بالتكليف يستلزم ربطها بالإرادة والعقل·

    الحرية عند الفلاسفة

    فقد ذهب فلاسفة الإسلام كابن مسكويه والفارابي وابن زكريا الرازي إلى أن الحرية الحقة هي ضبط الهوى وإلجام شهوات النفس بالعقل، وهو أيضا مذهب الفيلسوف اليوناني زينون الذي تأخذ بتعاليمه المدرسة الرواقية حيث قررت أن الحرية تكتسب قيمتها بمدى خلوها من الهوى وتحررها من الشهوة والألم· ولعل الفيلسوف الألماني فشته كان مقاربا لهذا المعنى حين ذكر في كتابه ''غاية الإنسان'' أن وجود الواجب يدل على وجود الحرية·

    الحرية عند المتكلمين

    كما ارتبطت الحرية عند متكلمي الإسلام بالإرادة والاختيار خاصة في مسألة أفعال العباد هل هي مخلوقة من الله تعالى -كما هو مذهب الأشاعرة - أم هي مخلوقة من العباد - كما هو مذهب المعتزلة -؟ وقد ظهرت خلافات في المسألة لا يعنينا الخوض فيها، لكن حصل الاتفاق أو كاد على ما يلي: العقل هو مناط التكليف، والتكليف موجب لحرية الاختيار، وهذه الحرية موجبة للحساب، وهذا يفضي إلى القول بتلازم العقل والحرية·

    الحرية الحقة

    بيد أن الحرية الحقة ليست هي تلك الفكرة المجردة المحلقة بأجنحة فلسفية في فضاء المثاليات، والصارمة لحبال المودة مع الواقع، بل هي الحرية ذات المضمون الفاعل في تحقيق التحرر داخل النفس البشرية، وذات المحتوى المنطلق لخلق أجواء الحرية التي تكرّم الإنسان وتقدسه ما دام فاعلا في الحياة منقبا عن كنهها وأسرارها· ومن هنا كان التنظير من لدن فلاسفة كُثُر عبثا لا طائل وراءه لتصيير الحرية كلاما معقدا لا ينحل إلا لمن يأخذ بناصية لغة فلسفية تقنية، ولتباري المنظّرين لها في سربلتها بسربال الغموض، واجتثات جذورها من تربة الواقع ليحكم عليها بالسجن المؤبد داخل مصنفات الفلاسفة والمفكرين التجريديين، وبين قضبان منتدياتهم الثقافية والفلسفية·

    إن الحرية بمعناها الحق المذكور أعلاه هي المطلب المقدس الذي رفعت لواءه الشعوب والأمم منذ أقدم العصور، بل منذ نشأة الخليقة على وجه البسيطة، وأزهقت للظفر بها المُهج، وانبرت للذود عن حوضها الأقلام قبل أن تقتطف ثمراتهاشرذمة من محترفي التسييس المفرّغ من محتوى التأنيس أو المكبل بشراك التلبيس·

    لقد كانت هذه هي الفكرة المركزية التي دعا إليها الأنبياء والأصفياء وغيرهم من صناع التاريخ الصالحين، والمقصد الأسنى الذي لأجله جاءت الديانات، وبكلمة: إنها غاية الإنسان·

    ولا أقصد بالحرية ذلك المحتوى المرتبط بالسلوك السياسي داخل الإطار الاجتماعي وحسب، بل إلى إماطة اللثام عن الحرية بمفهومها الروحي المتعالي، وهي ذات المقصد التحريري للنفس الإنسانية : تحريرها من الأمراض الباطنية وتغليب نوازع الخير على نوازع الشر في النفس، وبالمنطق الديني: التخلص من شرور الشيطان وضغط النفس الأمارة بالسوء·

    الحرية عند الصوفية

    ولذا كان المتصوفة هم أنضج الناس في تجاربهم مع النفس وأعمقهم في البحث عن حقيقة الحرية وعلاقتها بالنفس، لا سيما أنها ارتبطت ارتباطا وثيقا بالجانب الروحي والحرية عندهم ضربان: حرية ذاتيه ويقصد بها التحرر من النفس الأمارة بالسوء، وحرية غيرية ويقصد بها التحرر من مكائد الشيطان، وتحقق هاذين الضربين من الحرية يفضي ضرورة واقتضاء إلى التحرر الاقتصادي والاجتماعي···، وبعبارة شرعية: تحقق الجهاد الأكبر يفضي ضرورة واقتضاء إلى النصرة في الجهاد الأصغر· فتكون الحرية بالمفهوم الصوفي حرية كاملة بخلاف غيرهم ممن ركزوا في تحصيل الحرية على التحرر من الغير -بالمفهوم الاجتماعي لا الشيطاني - مما جعلها قاصرة لا تفي بالمطالب الحقيقية والمقاصد التحفيزية لعمارة الإنسان لهذا الكون· ويبلغ ذلك النضج مداه في تعريفهم للحرية، فقد رسموها بقولهم: ''هي الانطلاق من رق الأغيار''، وحصروها في ثلاث مراتب: 1- حرية العامة من رق الشهوات، 2- وحرية الخاصة عن رق المرادات لفناء إرادتهم في إرادة الحق، 3-وحرية خاصة الخاصة عن رق الرسوم والآثار لانمحاقهم في تجلي نور الأنوار (اصطلاحات الصوفية للكاشاني باب الحاء)·

    فالحرية بمراتبها الثلاث -وإن كان بعضها فوق بعض-تعني التحرر من عبادة النفس بصراع شاق ومضن يفضي إلى اقتحام عقبة المراتب الثلاث لتحقيق مسمى الإنسان الكامل الذي تحرر من كل الأغيار الباطنة والظاهرة ليخلص لله وحده ويكون في مستوى تمثيل كلمة الإخلاص علما وعملا· إنها حقيقة الحرية التي دعت إليها الأديان السماوية، ألم يقل الله تعالى في القرآن الكريم: ''وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين''؟! ألم يقل السيد المسيح في الإنجيل: لا يستطيع الإنسان أن يدخل ملكوت الله إذا كان عبدا لسيدين؟!

    الحرية والإبداع

    لا جرم أن هذه الحرية تنعكس بالإيجاب على الإرادة والسلوك، فكلما حافظت الحرية على مضمونها الحقيقي واستعصت عن تدجين التسييس وتطويع التلبيس وارتقت في مدارج المراتب الثلاث المذكورة كلما صُقلت الإرادة، وهذب السلوك، وكانت الفاعلية الذهنية والعملية أكثر حيوية في استغلال الكون ، وسبر أغواره، واستخلاص الأسس والقوانين التي تنبني عليها حضارة ربانية لا يطرقها الصدع والانخرام، وعلى النقيض من ذلك كلما انتهكت حرمة الحرية بإجابة داعي النفس الأمارة بالسوء كلما تدنت بصاحبها في أخس الدركات وكشَّر الفساد عن أنيابه ليفتك بالإنسان والمجتمع، وبحلول ظلم النفس بالاستجابة للمطالب الحيوانية في النفس تغليبا وترجيحا ولت الحرية فرارا ولم تعقب، وتبخرت لفرارها أجواء الخلق والإبداع، واقتصر السعي والبحث في الحرية على جمال الظواهر تقديسا وتعبّدا، فتضيع إمكانية استخلاص عناصر الجمال الباطني الذي لا يدركه إلا من تحرر متحقِّقا بحقائق الجمال والجلال الإلهيين·

    إن ظلم النفس بالمعنى المذكور يزرع خوفا باطنيا يبعث على اضطرابات نفسية قد تفضي إلى تدمير ذاتي كما يتجلى في ظاهرة الانتحار التي تفاقمت في المجتمع المعاصر بالرغم من فائض التنظير الذي يغمر أسواق الكلام التجريدي على الحرية وتوابعها·

    إن الظلم يشل الذهن عن قدرته الفعلية في التخيل المبدع، وعن بذل جهده في ترتيب هذا التخيل الفاعل ونظمها لإنزال مقتضاها إلى حيز الواقع فتفعل فعلها في التغيير والابتكار خدمة للإنسان وتحقيقا لكرامته الباطنية والظاهرية لا تسخيرا له بتصييره آلة صماء تُقزّم وظيفتها لخدمة المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بما يجعله عبدا لها باسم الحرية·

    لذا نلفي الشعوب الرازحة تحت نير التفسخ الأخلاقي القائم على ظلم الإنسان لنفسه وعبادته لهواه أكثر الشعوب انغماسا في الهيام بالأسطورة والخرافة إذا كانت أمة متخلفة تكنولوجيا، مما قد يكون تفسيرا للمعاناة الذاتية والاستسلام والخنوع لهيمنة النفس في بعدها الشيطاني، وهروبا يائسا من الواقع السياسي المتعجرف بأنانيته المستعلية ومراوغاته الماكرة·

    ونظرة متعجلة إلى شعوب العالم الثالث تزودنا بالخبر اليقين، إنها شعوب متخلفة فكريا حتى النخاع لما يخيم على عقليتها من الأْعراف البالية والتقاليد الخرافية· ولست بذلك أطعن في ذات الأعراف والتقاليد، فهذه من المقومات الأساسية في بناء حضارة الأمم ومن الأسس الضرورية في صيانة هويتها وثقافتها من الانسلاخ، وإنما أقصد الأعراف الفاسدة والتقاليد الشائنة التي تجر بحبالها أعناق معتنقيها إلى مستنقع ظلماني حيث عبادة الشيطان واتباع هوى النفس، ولا تربطهم بالواقع المحيط بهم إلا أوهام لا تصمد لمواجهته، من أجل تحقيق الترقي بشقيه الروحي والمادي·

    فما أحوجنا في عصرنا هذا لأمثال الحكيم الترمذي لنعيد لتحرر العقل صفاءه! ولأمثال الإمام الغزالي لنعيد لحرية التدين حياتها! ولأمثال الشيخ الأكبر ابن عربي لتحرير باطن الذوات بمقتضى وحدة الشهود! وبكلمة: ما أحوجنا إلى ''تصوف حي''!

    ومن هنا يظهر أن العلاقة تركيبية بين ظلم النفس والتخلق الأخلاقي والفكري من جهة والحرية المكبوتة والاستقلالية المخنوقة من جهة أخرى·

    ولنرجع عودا على بدء لمسألة ربط الحرية بالإبداع لنذكر إشكالا وجيها وهو: رب عقول مبدعة خلاقة شخصت في دياجير الظلم بشقيه النفسي والسلطوي وقتل الحريات بشقيها الروحي والدنيوي! لكن الإشكال يندحر بهذا الجواب'' إن هذا لا ينكره منكر، بيد أنه شذوذ عن القاعدة لا ضرب لأساسها، وفلتة من فلتات الدهر لا ظاهرة من ظواهره، ومن شذ عن القاعدة فتخطّى حواجز الظلم بشقيه النفسي والموضوعي فأبدع فإن إبداعه - لا جرم - يكتنفه الاحتشام ويحفه التحفظ· وإن كان الإبداع حاصلا في أجواء الحرية بمفهومها المادي والتجريبي فقد أوضحنا قصورها فلا نعيد· وكيف للإبداع المخنوق أو المجرد أن يدرك المرتبة السَّنية التي يعتليها الإبداع الراتع في حقول الحرية بمفهومها الإلهي والمترعرع في أحضان الاستقلالية بمفهومها التعرفي؟! إن هذا هو السر في كون المتصوفة قد أبدعوا بما عجز عن الإتيان بمثله غيرهم، فقد ألفوا أجمل المصنفات· ونظموا أجمل الأشعار، وعزفوا أجمل الألحان، وهذا أوضح من أن يستدل عليه، وفي العيان ما يغني عن الخبر·

    وصفوة القول: إن الحرية كفكرة ذهنية، ومنزع فطري، وفاعلية مبدعة، وجمال عرفاني وتعرّفي، قمينة بأن تشيد صرح حضارة تعيد للإنسان آدميته المسلوبة وحقوقه المهضومة في عالم طغت فيه الأنانية المستعلية، وتحكمت فيه شريعة الغاب أو كادت، وصارت السلطة العليا للنفس الأمارة بالسوء والهوى، مما فرّغ ثقافات الشعوب من قيمة الحرية كفلسفة تُعتقد وقلب يَنبض وسلوك ينتهج .

    د· خالد زهري

    أستاذ باحث في الفكر الإسلامي