أنتم هنا : الطريقة القادرية البودشيشية الإشارة عدد 27 ...

  • الاستهــلال: إلى أيـن المـفــر؟    
  • الســؤال السلفـي الصـوفي 
  • في هذا العدد
  • الطريقة البودشيشية في الحياة العامة
  • التصوف ''دعوة '' لا مواجهة





  • الاستهــلال: إلى أيـن المـفــر؟    

    لطالما فجعت القلوب لتفرق كلمتنا أمام تحدي التقتيل الصهيوني والتنكيل بشعب يدافع عن وجوده وأرضه منذ عقود، ولشد ما هانت الكرامة أمام الغطرسة التي استباحت كل قيمنا وأرادتنا قردة تابعين·

    واليوم تتفجع القلوب لأعلى هول يريد أن يئد الضمير الإنساني ويطمس كل المشاعر، بعد أن داس كل الحقوق والقوانين، غربان الإرعاب يريدون اليوم إبادة شعب عن آخره، بعد أن جوعوه واستنزفوه سنين، إنهم صباح مساء يصبون فوق الرؤوس نيران القنابل والقذائف في كل إغارة غادرة وكل تفجير غاشم، بدعوى في غاية الغباء والاستغباء هي دعوى تحرير شعب مقهور. ولما كان ''المحررون'' الطغاة آمنين مطمئنين إلى خنوعنا واستكانتنا فهم ماضون في عدوانهم ''التحريري'' غير آبهين بقيم الإنسان ولا بدماء الأبرياء من نساء وشيوخ وصبيان.

    لقد غدا أبطال ''تحرير الشعوب'' اليوم في غير حاجة لاستنساخ أمثال ''هولاكو'' و''جنكيزخان''، بل إن تلك الأمثال قد بهتت أمام متألهي القرن الميلادي الواحد والعشرين.·

    لقد تلاشى اليوم قانون الدول وانهار اتحاد الأمم ولم يبقى لمنطق الشرعية ولا لشرعية المنطق والعقل وجود أمام إدارة القوة والهيمنة والاستغلال، لقد ساد من جديد شرع الغاب ليملأ الأرض جورا والنفوس رعبا أكثر من أي وقت سابق بفعل تفاحش آلات الخراب التي لا تبقي عاجلا ولا تذر آجلا·

    من عجائب المفارقات أن زعماء ''الديمقراطية'' الذين حملوا أنفسهم تطبيقها وفرضها على الدول وعقاب من لم يعتنقها، هم الذين يقصفون قواعدها ويطؤون معالمها، ومنها أنهم يريدون تجريد دولة من أسلحة دمار شامل مفترض، بأسلحة هي أشمل تدميرا وأشد فتكا، و ''أذكى'' في تقدير أصحابها، ومن ذلك أن الذين أقاموا الدنيا أمس ولم يقعدوها بسبب تحطيم تماثيل بوذية قديمة، هم الآن يدمرون بإصرار أثمن الكنوز في تاريخ البشرية من منشآت عمرانية وآثار فنية منذ عهود السامرين والبابليين والآشوريين فضلا عن بدائع المآثر الإسلامية. ثم كيف تحاسب دولة على امتلاك أسلحة ولا تحاسب طغمة بالقرب منها على امتلاك مثل تلك الأسلحة أو أفتك منها ؟·

    يعلم العالم كله اليوم أن المبررات غير المقاصد، فما أفظع من يدعي ما لا يمكن أن يؤمن هو نفسه بصحته، ويعلم أن الناس متأكدون من كذبه، ومع ذلك يمعن في التحدي والعزة بالإثم لأنه الأقوى في نظر نفسه لنفسه.·

    ما أشد بلاهة الظالم الذي يسأل مظلومه: لماذا تكرهني؟ ما أرعن من يريد أن يفرض على غيره من يحكمه، والكل يعلم أنها ليست إلا دعوى تبريرية لتدخله واستغلاله·

    إن العرب قالت في زمنها الأول:'' انصر أخاك ظالما أو مظلوما''·واليوم -وقد فاتنا التأويل الإسلامي للمثل- علينا أن نعود للمفهوم الأول حاضرا، ثم نحاول تدارك ما فاتنا ثانيا·

    وبعد أن تأكد للجميع أننا نحن المستضعفين منذ حقبة طويلة ضحايا لألوان النهب والمسخ والتضليل والاستغلال التي تفني خصوصيتنا ومقومات وجودنا المعنوي والمادي باستمرار، بعد كل هذا وغير هذا، أفيحق لنا بعد اليوم ألا نتآخى بأخوة الإيمان لنتعاون على البر والتقوى من أجل تحقيق تنميتنا بأنفسنا ووسائلنا الذاتية المتكاملة، وخيرات بلادنا لا تضن علينا بشيء، على أن نجتهد في تحرير أنفسنا وعقولنا وقيمنا واقتصادنا وقرارنا.·

    لكن قبل كل ذلك، وليتحقق لنا ذلك، علينا أن نفر إلى من لا ملجأ لنا إلا إليه، أن نعود لرب العالمين ونشد على حبله المتين ونحتمي بحصنه الحصين، كيف لا وقد قال ربنا ورب المستضعفين ''ففروا إلى الله'' وقال سبحانه: ''وكان حقا علينا نصر المؤمنين'' والحمد لله أن كثيرا من المسلمين اليوم أخذوا يعودون إلى الصواب بإدراك أن التوجه إليه سبحانه تالين كتابه وعاملين بمقتضاه مخلصين، وأن دعاءه سبحانه متضرعين إليه منكسرين، هو السلوك الذي يضع العباد في المكان اللائق بهم وهو العبودية لله وحده دون غيره، ومجاهدة النفس المتكبرة الأمارة بالسوء للانتصار بالله عليها، آنذاك نكون متعرضين لرحمة الله الواحد القهار سبحانه رجاء فضله ونصره. ألم يقل عز وجل: ''يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم'' أو لم يقل ''ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز'' أو لم يقل : ''وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم'' ثم إنه ''إن ينصركم الله فلا غالب لكم''. ·

    محمد المصطفى عزام    

    أستاذ اللغة العربية بكلية الآداب بالرباط