أنتم هنا : الطريقة القادرية البودشيشية الإشارة عدد 27 ...

  • الاستهــلال: إلى أيـن المـفــر؟    
  • الســؤال السلفـي الصـوفي 
  • في هذا العدد
  • الطريقة البودشيشية في الحياة العامة
  • التصوف ''دعوة '' لا مواجهة





  • في الحـوار العالـي

    الســؤال السلفـي الصـوفي 

    الحلقة الثالثة 

    يتناول هذا الحوار جملة من القضايا لاستكناه رأي العلماء والمفكرين المسلمين في التصوف، دون اعتبار لحدود الزمان والمكان، لا يلتزم إلا بالبحث عن الحكمة أنى كانت، دون النظر إلى قائلها، لذلك ينتقل بين الآراء المبثوثة في ثنايا الفكر الإسلامي ساعيا للكشف عن الرؤية السليمة للتصوف ومنهجه.

    تحضر في الفكر الإسلامي بقوة بنية الحوار، إذ أن المفكر الإسلامي في كتاباته كان يستحضر دائما مقولات خصمه واعتراضاته وحججه، فيأتي فكره حواريا وإن غاب المحاور، لهذا سنعتمد هذه البنية الداخلية للنص في الفكر الإسلامي لبناء هذا الحوار وصياغة الأسئلة، كما سننتهج منهجية التناصف، إلا أننا لن نضيف في الجواب إلا ما يقتضيه الربط لكي تصل الفكرة منسجمة للقارئ·

    إذا كان الحوار قديما يقتضي وحدة الزمان والمكان، وحاليا مع انتشار وسائل الاتصال والقنوات الفضائية يقتضي وحدة الزمان، فإن هذا الحوار تنتفي فيه الحدود الزمانية والمكانية على مستوى الفكر الإسلامي، فالمحاور فيه هو المفكر الإسلامي الذي تنوعت تجلياته في تاريخ الإسلام بمختلف أبعاده الزمانية والمكانية. فلن نلتزم بمفكر إسلامي واحد، إذ سنقفز على حدود الزمان والمكان، مقتفين أثر الحكمة لالتقاطها أنى وجدناها، والذي يهمنا في هذا الحوار هو الفكرة ذات الأصول الإسلامية، دون تقيد بقائل معين، وإن كنا بعد كل جواب سنحيل على قائله مراعاة للأمانة العلمية وتنبيها إلى وزن القائل في الفكر الإسلامي. وبالله التوفيق

    سؤال: كيف يعرف التصوف الحقيقي؟·

    جواب: الوصول إلى الحد الحقيقي بصفة عامة أمر عسير، فكيف إذا تعلق الأمر بتجربة روحية لعل من أبرز خصائصها استعصاؤها على اللغة الطبيعية، واعتماد أهلها على الإشارة في تبليغها لعدم قدرة العبارة على ذلك ؟ لذلك كان من الطبيعي أن لا ننتظر من الصوفية أن يأتونا بتعريف للتصوف يستجيب للمقاييس المنطقية أو يندرج تحت نوع من أنواع الحدود، كما كان من الطبيعي أن ننتظر تنوعا في هذه التعاريف وتعددا فيها، بل وانفتاحا على إغناء هذا الجانب مع كل داخل في التجربة الصوفية ومتحقق بها، ولهذا نجد أن حصر تعريف التصوف في عدد معين هو مما لم يتفق عليه الصوفية، فمنهم من رأى أنها تزيد على الألف ومنهم من رأى أنها تزيد على الألفين، ومنهم من رأى أنها لا تنحصر، وسعى إلى إيجاد ما تتفق فيه ·

    سؤال: فهل يمكن ذكر بعض التعاريف التي تركز على ما اتفق عليه ؟

      جواب: من هذه التعاريف:  

    - التصوف أوله علم، ووسطه عمل، وآخره موهبة من الله

    - التصوف ذكر مع اجتماع، ووجد مع استماع وعمل مع اتباع

    - التصوف إنما هو زبدة عمل العبد بأحكام الشريعة إذا خلا عمله من العلل وحظوظ النفس

    - التصوف تعظيم أمر الله، وشفقته على عباد الله.

    التصوف هو الخلق والمحبة سمة الطائفة وعنوان الطريقة.

    الصوفي من إذا استقبله حالان أو خلقان كلاهما حسن، كان مع الأحسن·

    سؤال: هل يمكن توضيح هذا التعريف الأخير؟

    جواب: لقد اعتبر الخلق ميزانا للتنافس في مجال التصوف، فالتمكن في الأخلاق الفاضلة يعلو بمرتبة صاحبه في المراتب والمقامات الصوفية، وقد وقع التركيز على أن هذه الأخلاق تكون ملابسة لصاحبها ملابسة ذوق وفعل، لا ملابسة علم فقط (المقصود الثقافة العقلية التي لا تتجسد في الفعل) ورسم فحسب، أي أنها أخلاق ترقي وشهود، فهي نصيب الصوفي من التحقق بالأخلاق الإلهية في حدود ما تسمح به الطاقة البشرية (من أخلاق الرحمة والمغفرة وغير ذلك)، ومن هنا كان التخلق في المستوى الصوفي تعاملا مع الحق قبل أن يكون تعاملا مع الخلق، فهو يستلزم الصدق مع الحق، ولذلك كانت الأخلاق الصوفية خالية من التصنع الذي هو أول الأكدار التي يصفي منها الصوفي قلبه، كما أن هذا الصدق يجعل الصوفي يعامل كل الخليقة بنفس الأخلاق، فالتعامل في الحقيقة مستمد من الخلاق لا من الخلق، وهو منظور يختلف تماما عن منظور من يؤسس تعامله الأخلاقي على رؤية الخلق وهو ما نلمسه في التعاريف السابقة.·

    سؤال: ولكن هل ينحصر التصوف في البعد الأخلاقي بمفهوم التعامل مع الخلق؟

    جواب: ''إن الكثير من الكتاب الحديثين -متابعين في ذلك الكثير من الصوفية - قد حددوا التصوف نفسه لا تزكية النفس وحسب- بأنه الخلق الطيب.·يقول أبو بكر الكتاني (المتوفى سنة 322 هج): ''التصوف خلق، فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في التصوف''، ويقول أبو محمد الجريري (المتوفى سنة 311 هج)، وقد سئل عن التصوف: ''الدخول في كل خلق سني، والخروج من كل خلق دني''، أما أبو الحسن النوري فإنه ينفي عن التصوف أن يكون رسما منهجيا تخطيطيا، أو أن يكون علما كسبيا، ويجزم بأنه خلق، ويعلل النفي والإثبات فيقول: ''ليس التصوف رسما و لا علما، ولكنه خلق، لأنه لو كان رسما لحصل بالمجاهدة ولو كان علما لحصل بالتعليم، ولكنه تخلق بأخلاق الله، ولن تستطيع أن تقبل على الأخلاق الإلهية بعلم ورسم''·

    على أن أبا الحسن النوري نفسه يحدد الأخلاق التي يرى أنها التصوف، فيقول في موضع آخر معرفا التصوف: ''التصوف الحرية والكرم وترك التكلف والسخاء''·

    على أن هؤلاء الذين ذكروا هذه التعاريف الأخلاقية للتصوف، ذكروا هم أنفسهم تعاريف أخرى وذلك -على الأقل- يدل دلالة لا لبس فيها على أنهم لم يروا كفاية الجانب الأخلاقي في تحديد التصوف، وتعريفه.·ومن الطبيعي أيضا أن تكون الأخلاق الكريمة شعار الصوفي فيما بين الأساس والثمرة، فهي إذن ملازمة للتصوف وللصوفي ملازمة تامة، لا تتخلى عنه ولا يتخلى عنها، ويعبر ابن سينا عن بعض ما يتحلى به الصوفي من أخلاق، معللا ذلك فيقول: ''العارف شجاع، وكيف لا و هو بمعزل عن تقية الموت؟ وجواد، وكيف لا وهو بمعزل عن محبة الباطل؟ وصفاح، وكيف لا ونفسه أكبر من أن تجرحها زلة بشر؟ ونساء للأحقاد، وكيف لا وفكره مشغول بالحق ؟''.

    سؤال: إذن فالصوفي عابد، وهو على خلق كريم، ولكنه يتجاوز ذلك كله إلى شئ آخر؟ فما هو هذا الشئ الآخر؟

    جواب: هذا الشئ هو ''الإرادة المصممة التي لا تلين، الإرادة التي تزيـل  -لقوتها وتصميمها- كل ما يقف أمامها من عقبات في سبيل الوصول إلى الله سبحانه"·

    إن الله سبحانه وتعالى يأمرنا -على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم- بالفرار إليه: (ففروا إلى الله، إني لكم منه نذير مبين)·

    والإنسان يفر إلى الله من الكفر إلى الإيمان، ويفر إلى الله من المعاصي إلى الطاعات، ويفر من الكون إلى المكون، ومن النعمة إلى المنعم، ومن الخلق إلى الخالق، ومن نفسه إلى ربه. ·

    إن الفرار لانهاية له لأن الترقي لانهاية له، وكما أن الفرار إلى الله مستمر دائم، فإن الهجرة إليه سبحانه وتعالى مستمرة دائمة.· والهجرة إلى الله والفرار إليه بمعنى واحد، وهو بمعنى مستغرق شامل يشرحه في عمومه وشموله قول المصطفى صلى الله عليه وسلم ممتثلا أمر الله سبحانه وتعالى وتوجيهه في قوله تعالى: ''قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ''·

    وصلاة الإنسان إذن نسكه، و محياه وممـاتـه إنما تكـون في الوضـع الإسلامــي لله سبحانه وحده، حيث لا شريك له: من حب ومدح، أو ثناء وزلفى، أو جنة، أو بعد عن النار: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغذاة والعشي يريدون وجهه، و لا تعد عيناك عنهم تريد زينة الدنيا، ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه، وكان أمره فرطا)·

    والتصوف: ذكر دائم، أي تذكر له سبحانه وتعالى في كل لمحة ونفس، وهي اتجاه بكل الأعمال إلى الله، وهو هجرة لا تنقطع إليه سبحانه، وقد تتعذر في المبدأ وتشق في أول الطريق، فكان لابد من تهيئة الجو المناسب للمران والتعبد فترة من الزمن.

    سؤال: هل يمكن بيان موضوع التصوف ومن أين استمد، و ما حكمه ؟

    جواب: أما موضوعه (أي التصوف) فهو الذات (الإلهية) العلية لأنه يبحث عنها باعتبار معرفتها، إما بالبرهان أو بالشهود والعيان، وقيل موضوعه النفوس والقلوب والأرواح، لأنه يبحث عن تصفيتها وتهذيبها، وواضعه هو النبي صلى الله عليه وسلم، وأما استمداده فمن الكتاب والسنة وإلهامات الصالحين وفتوحات العارفين، وأما حكم الشارع فيه فقال الغزالي إنه فرض عين،··· وحيث كان فرض عين يجب السفر إلى من يأخذه عنه إذا عرف بالتربية واشتهر الدواء على يده، وأما تصور مسائله فمعرفة اصطلاحاته والكلمات التي تتداول بين القوم كالإخلاص والصدق والتوكل والزهد والورع والرضا والتسليم والمحبة والفناء والبقاء وكالذات والصفات والحكمة والروحانية والبشرية وكمعرفة حقيقة الحال والوارد والمقام وغير ذلك، وأما نسبته من العلوم فهو كلي لها وشرط فيها، إذ لا علم ولا عمل إلا بصدق التوجه إلى الله، وأما فائدته، فتهذيب القلوب ومعرفة علام الغيوب ''

    سؤال : كيف يمكن تصور موقع التصوف في النسق الديني الإسلامي؟   

    جواب: ''...التصوف في جوهره هو الفهم الواعي للدين، والعمل به على شكل عبادات وسلوك يمارسه المسلم مع نفسه و مع غيره ومن ثم تتجلى الحياة الروحية المتزنة التي قوامها الإيمان والعمل. كما أن التصوف علم فقه المعرفة، وأساسه إصلاح القلوب، وقمته المعرفة في محيط ما وراء الطبيعة، فوظيفة العقل معرفة الطبيعة ووظيفة القلب معرفة ما وراءها من غيبيات، فالقلب شطر الإيمان الأعظم وبه تحل المشاكل التي لا طاقة للعقل أو العلم المادي بحلها كالقضاء والقدر وحقائق ما بعد الموت، فنطاق هذه المعرفة ليس العقل أو الحس، بل هو نور يقذفه الله في قلب عبده الذي طهر قلبه وزكاه، فيتم له الكشف والشهود والإلهام الصادق محكوما بالكتاب والسنة.  

    سؤال : هل يسلم ما يقال من حدوث اسم التصوف وما يستنتج منه البعض من حدوث مضمونه ؟

    جواب: إن التصوف باعتباره سلوكا متمثلا في الإنحياش إلى الله مع العكوف على العبادة·ليس بالأمر الغريب عن الإسلام، فقد كانت هذه النزعة العملية فاشية بين الصحابة والتابعين وإنما استحدث الاسم نفسه، ويبدو أنه كان معروفا في القرن الهجري الأول (السابع الميلادي) بحسب الرواية التي وردت عن الحسن البصري.

    سؤال: هل المنهج الصوفي هو فقط المواظبة على فعل العبادات؟ أو هل هو فقط الإكثار من النوافل :قياما بالليل وصوما بالنهار ونحو ذلك ؟ أم ماذا ؟

    جواب: إن للعبادة أثرا لا ينكره أحد في تصفية النفس وتزكية الروح، ولكنها إذا كانت تهدف من وراء ذلك إلى دخول الجنة ونيل الأجر والثواب بقيت عبادة مشكورة مأجورا صاحبها، مثابا عند الله سبحانه وتعالى، و لا يتجاوز للقائم بها    -على هذا الوضع وبهذه الصورة- وصف العابد إلى وصف الصوفي. ·

      ووصف العابد من غير شك منزلة عظمى ولكن العبادة على هذا النمط كأنها ''معاملة ما" والعابد على هذا الوضع، كأنه يعمل في الدنيا لأجرة يأخذها في الآخرة هي الأجر والثواب

      أما الصوفي، لإنه يريد الحق الأول، لا شئ غيره، و لا يؤثر شيئا على عرفانه وتعبده له فقط، ولأنه مستحق للعبادة، ولأنه نسبة شريفة إليه، لا لرغبة أو رهبة، وتعبر السيدة رابعة العدوية عن هذا المعنى، فتقول: ''إلهي :إذا كنت عبدتك رهبة من النار، فاحرقني بنار جهنم، وإذا كنت أعبدك رغبة في الجنة فاحرمنيها، وأما إذا كنت أعبدك من أجل محبتك ·فلا تحرمني يا إلهي من جمالك الأزلي''، وتقول رضوان الله عليها: ''ما عبدته خوفا من ناره، وحبا لجنته، فأكون كالجير السوء، بل عبدته حبا وشوقا إليه''.6 والواقع أن الله سبحانه وتعالى إذا عبد رغبة في الجنة، أو عبد رهبة من النار، فإنه سبحانه وتعالى لا يكون المطلوب الأول ولا يكون الغاية التي يسعى إليها العابد، وإنما يكون سبحانه كأنه واسطة بين العابد و ما رغبه وهو الجنة، أو رهبة وهو النار. ···

    سؤال: فكيف يمكن أن نفهم وحدة المنهج الصوفي مع تعدد الممارسات والطرق الصوفية ؟

    جواب: القدماء والمحدثون -سواء أكانوا من الصوفية أم من مؤرخي التصوف- يتجهون إلى أن التصوف منهج وغاية، إنه طريقة وحقيقة، إنه سلوك ونتيجة·

    والصوفية يشبهون الوحدة التي تجمع بين المنهج والغاية بالدائرة ومركزها، ويقول الشيخ عبد الواحد يحيى: ''إن الطريقة هي الخط، الذاهب من الدائرة إلى المركز·وكل نقطة على الدائرة هي مبدأ الخط، وهذه الخطوط لا تحصى -كلها- إلى المركز، إنها ''طرق''، وهي طرق تختلف تبعا لاختلاف الطبائع البشرية،ولهذا يقال: "الطرق إلى الله كنفوس بني آدم"  ومهما اختلفت فالهدف واحد، لأنه لا يوجد إلا مركز واحد، وإلا حقيقة واحدة، على أن هذه الاختلافات الموجودة في المبدأ، تزول شيئا فشيئا، وذلك حينما يصل السالك إلى درجات عليا. والطريقة والحقيقة مجتمعتان يطلق عليهما: التصوف، وهو ليس مذهبا خاصا، لأنه الحقيقة المطلقة، وليست الطرق مدارس مختلفة، لأنها طرق أي سبل موصلة جميعها إلى الحقيقة المطلقة : لتوحيد الواحد·

                                        أستاذ باحث في أصول الفقه